الجمعة، 10 يونيو 2016

رسالة لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ​​ (رقم 2)

عندما توفي والدي قبل عام من الآن ،، لم أكن أعلم أنني سأترك جُلَّ أعمالي وأفرِّغ جُلَّ أوقاتي وأفرط في تخصصي وأبحاثي ومحاضراتي ،، بل وأفرط في صحتي وتعليم أبنائي وحقوق والدتي ،، لأكون مُعَـقِباً لدى الدوائر الحكومية ..

وليست المشكلة في متابعة تركة والدي - رحمه الله - ومحاولة تخليص الأمور النظامية المعلقة بسبب وفاته: كنقل كفالة عامل المزرعة الذي لم تتم إلى اليوم منذ سنة، ومحاولة إنهاء معاملة بيع مزرعته التي تتم خطوة واحدة في المحكمة، إلخ إلخ إلخ.

إنما المشكلة أيها السادة في كيفية تعاطي الموظف الحكومي في كل دائرة ومؤسسة حكومية مع أعماله ومهامه اليومية ،، المشكلة في أطنان الأوراق وفي الملفات العلاقية التي يجب أن تحضرها بشكل يومي لكي تستطيع التقدم في طابور "المعاملات الحكومية" ..

مالفائدة التي أجنيها أنا ويجنيها الوطن من حملي لأوراق متعددة يجب أن أذهب بها من مكتب إلى آخر ،، لكي ينظر أحد الموظفين إليها وثم يزينها بتوقيع يملاً نصف الصفحة ليس لهدف إلا لكي يوافق الموظف الذي يليه على تزيينها - حفظه الله - بتوقيعه هو ايضاً ..

مالفائدة التي أجنيها من جمع تواقيع نصف العاملين في الإدارة الحكومية حتى يمكن تنفيذ أمر بضغطة زر ؟؟ إن كان كل من جمعت تواقيعهم ليست لهم فائدة ولا يقدمون ولا يأخرون ،، ولا يقومون بإدخال بيانات أو التحقق منها ؟؟ فلماذا أكلف نفسي بانتظارهم .. 

الجواب هو لأننا نعيش في تمثيلية المعاملات .. أنظروا في المثال التالي ،، وقولوا لي ما رأيكم ؟؟

الموظف "أ" لايمكنه عمل شيء إلا إرسال المعاملة للموظف "ب"
والموظف "ب" لا يمكنه حل وربط شيء إلا بعد موافقة الموظف "ج"
والموظف "ج" لا يملك الصلاحية الإدارية للموافقة على الطلب لأنها عند الموظف "د"


إذاً لماذا لا أذهب للموظف "د" مباشرةً وإنهي طلبي ؟؟ لماذا لا تقوموا بإدخال نظام التعاملات الإلكترونية لكي يقوم البرنامج بإنهاء كل تلك الإجراءات وأرتاح أنا وغيري من "قرف" المعاملات ..

أسألكم بالله لماذا الدوائر الحكومية (بكل أنواعها) في وطني متخلفة إلى هذه الدرجة ؟؟ الجواب هو لأن العاملون فيها هم المتخلفون ..

قابلت بعض الموظفين الذي يعتقدون يقيناً بأن عملهم ينتهي بمجرد كتابة خطاب أو توقيع إحالة أو تدبيس ورقة استلام .. نعم هم يؤمنون أن عملهم انتهى بعدها ويرفعون أكف الابتهال إلى الله عز وجل "يالله لك الحمد خلصت اليوم عشرين معاملة" ..

كم تمنيت أن يقوم الدفاع المدني بتعليق مهامه لأسبوع واحد ،، وتحويل استقباله لنداء الاستغاثة بالتعاملات الورقية ..
>> ألو ،، في بيتنا حرييييقة
>> طيب معليش ،، اكتب خطاب وسويله رقم صادر وراجعنا بكرة
أليس هذا السيناريوا سامجاً وسخيفاً ،، والله الذي خلق السموات والأراض لمعاملاتكم وخطاباتكم وإحالتكم أسمج وأحقر من هذا ،، وأدمغتكم التي تحملونها على رؤووسكم تحتاج إلى تنظيف بقدر تلك السماجات ..

احتفل العالم أمس بإضافة 4 عناصر جديدة إلى الجدول الدوري ،، وتنافس العلماء الذي اكتشفوا تلك العناصر إلى تسمية العناصر بأسمائهم وأسماء بلدانهم لتخليد تلك الأسماء على مر التاريخ .. ونحن مازلنا في معاملات الصادر والوارد ،، ألا تباً لتلك المعاملات ..

أصبحنا نضيع أوقاتنا من الصباح إلى المساء في كتابة الخطابات والرد عليها ،، ولكن الانتاجية تقارب الصفر إن لم تكن أقل .. ثم نغضب لماذا تحتاج طلباتنا إلى كل ذلك الوقت لإنجازها .. والله مادري ،، أسألوا أنفسكم !!

هناك نظرية كبيرة في الطب توضح كيف أن المريض لا يتقبل العلاج فحسب ،، بل يجري ورائه ويبذل كل السبل للوصول إليه ،، مع أن العلاج قد يكون مؤلماً ومزعجاً بل في بعض الأحيان مميتاً ،، كل ذلك لأنه أيقن بأنه مريض ويحتاج إلى العلاج ..

متى يؤمن الموظف الحكومي في وطني بأنه مريض ويحتاج إلى علاج ؟؟ 
أووه ،، نسيت ،، عفواً ،، لا يمكنك قراءة مقالي هذا ،، لأنه يجب أن أرسله لجنابكم كـ "معاملة" ..

لا نامت أعين البُـلَداء ...