الثلاثاء، 29 يناير 2013

مسجد جامعة موناش

(تم نشر المقال في مجلة نبض)

تشرفت اليوم بحضور اجتماع المجلس البلدي لمنطقة موناش في مدينة ملبورن الأسترالية وذلك لمناقشة تحويل المبنى الذي تقام فيه الصلوات في جامعة موناش من عام ١٩٩٤ إلى مسجد رسمي للجامعة تملك أرضه الجمعية الإسلامية في جامعة موناش . ولقد رأيت بعيني وسمعت بأذني أموراً لم أكن أعتقد أنني سأعيش تفاصيلها ولا كنت سأصدق من يرويها إطلاقاً .

قامت مُحَافِظة المنطقة بافتتاح الجلسة والترحيب بالحاضرين ومناقشة بعض الأمور التي تخص منطقة موناش بالتحديد ومن ثم فتح النقاش لأعضاء المجلس لمناقشة أمر تحويل مسجد موناش ، وقد كنت أعلم قبل حضوري بأنه سيوجد تغطية إعلامية وحضور من المعارضين لإقامة المسجد حيث قام أحدهم بالفعل بسؤال المُحَافِظة عن ما إذا تم تحويل المسجد لبؤرة تعليم وتجمع للمتطرفين والراديكاليين الإسلاميين . ولم يكن يدور بخلدي أن خمسة من أعضاء المجلس الإثنى عشر قد كانوا أعدوا خطابات شرحوا فيها وظيفة المجلس الحقيقية ودوره في تنظيم عمليات تطوير البنية التحتية للمنطقة (بما فيها إنشاء المراكز الدينية) وأنها مكفولة بنظام حقوق الإنسان الأسترالي وحقوق العبادة في ولاية فكتوريا لكل الديانات ولكل الطوائف .

وممّا زاد في ذهولي هو قيام أكثر من عضو (ما بين مسيحي ولا ديني) بماهجمة الإعلام الأسترالي الذي صعّد موضوع إقامة المسجد ، حيث أعربوا عن استيائهم عن الإعلاميين هؤلاء لأنه لو كان الموضوع إقامة كنيسة مسيحية أو معبد هندوسي لما أثيرت حوله كل تلك الضجة .

وقال أحدهم بالحرف الواحد "لا أعلم لماذا أخذت مناقشة موضوع المسجد كل هذا الوقت ، لأن الموضوع يجب أن يكون مفروغ منه أصلاً  فللكل من مواطنين أستراليين ومقيمين أجانب الحق في إنشاء أماكن يستطيعون العبادة فيها" . وأضاف بأن مناقشة أي موضوع في المجلس لابد أن تكون تحت منظور النظام والقانون الأسترالي بعيداً عن الأراء الشخصية ، والقانون واضح في مسألة إنشاء المراكز الدينية ، وواضح أيضاً في كيفية ملاحقة كل من يستخدم مثل هذه المراكز مستقبلاً  للإخلال بالنظام أو دعم التطرف والتفرقة بين الشعب الأسترالي . وبعدها صوت المجلس بإجماع الأغلبية عدا عضو واحد فقط بالموافقة على إنشاء المسجد دون أي شرط أو قيد .




لقد رأيت بأم عيني كيف يكون العدل في الأرض …

إنّه العدل الذي أمرنا الحق تبارك وتعالى به (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) (المائدة 8) فكرههم للإسلاميين المتطرفين لم يمنعهم من الاعتراف بحق العبادة للمسلمين الآخرين ، كله حسب القانون والنظام .

إنّه العدل الذي كنت أقرأ عنه في كتب التاريخ والحضارة الإسلامية ، أيام رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم ، وأيام الخلفاء الراشدين ، وأيام الدولة الأموية والعباسية عندما انتشر عز المسلمين إلى مشارق الأرض ومغاربها .

إنّه العدل الذي يسجن الناس وتلجم ألسنتهم وربما يقتلون في بلاد المسلمين عندما يتكلمون عنه ويطالبون به .

إنّه العدل الذي قامت عليه السموات والأرض ، إنّه العدل الذي جعلهم من دول العالم الأول ونحن من العالم الثالث ، إنّه العدل الذي لم آراه في بلاد الإسلام . إنّه العدل أيها الأحبة ...

السبت، 26 يناير 2013

المناهج الصحية

(تم نشر المقال في مجلة نبض)

تسعى الكليات الصحية في جميع أنحاء العالم إلى الرقي بمخرجاتها التعليمية الطبية والتدريبية الإكلينيكية للخروج بكادر طبي مؤهل يمكن للمجتمع أن يعتمد عليه في عملية التشخيص والعلاج والوقاية والبحث الطبي على حد سواء . فنجد أن الكليات الصحية المختلفة تقوم بإنشاء وحدات متخصصة للتلعيم الطبي في أقسامها لضمان جودة المناهج وفاعليتها في تقديم التعليم الصحي المطلوب لكل فئة من الممارسين الصحيين . ولا يمكن بأي حال من الأحوال ضمان كفاءة الخريجين من الكليات الصحية بناء على خطط تربوية ومناهج تعليمية تم وضعها قبل عشرات السنين ، فالعلوم الطبية الأساسية وكذلك التخصصات الإكلينيكية المختلفة تتطوّر وتتحدّث وتتغيّر بشكل سريع ودوري بناءً على آخر الإختراعات وأحدث الإكتشافات في شتى المجالات ، طبية كانت أو غير طبية ، لأن الثورة التقنية في مجالات الحاسبات مثلاً أحدثت تغييراً جذرياً في العملية التعليمية بشكل عام والصحية بشكل خاص .

إن الكليات الصحية عبر القارات أصبحت تستخدم أسلوب الدمج العلمي في تطوير المناهج لتصبح المادة العلمية مستساغة أكاديمياً ومتخصصة علمياً . فمثلاً يتم دمج مادتي أساسيات المناعة والمايكروبات الطبية للخروج بمنهج للأمراض الوبائية حيث يستطيع الطالب فهم التناغم الخلوي الرهيب بين مسببات المرض الجرثومية وتراكيبها البيولوجية وطريقة تعامل الجهاز المناعي لكل نوع منها تحديداً بناءً على ذلك التركيب . ومثال آخر في استحداث منهج لعملية التشخيص المخبرية للأمراض عوضاً عن تخصيص مناهج منفردة للكيمياء العضوية والكيمياء التحليلية والفيزياء الطبية بحيث يتم ربط كل تلك العلوم الأساسية بمهارات معملية يستطيع من خلالها الممارس الصحي ضرورتها وفهم السبب الحقيقي وراء دراستها . ذلك أن فصل المناهج الصحية المتخصصة عن بعضها البعض يساعد على تشتيت التركيز الذهني للطالب والإنقاص من إمكانية الربط العملي والتطبيقي للمناهج مما يؤثر سلباً على الأداء في سنة الامتياز وفي العمل . ويؤدي هذا أيضاً إلى تشكّل فجوة كبيرة في ذهن الطالب بين ذلك العدد الهائل من المناهج الدراسية الصحية وبين آلية الممارسة الإكلينيكية أو المعملية في المستشفيات والمراكز الصحية ، حيث تبدو كل واحدة منهما منفصلة تماماً وغير متربطة بالأخرى إطلاقاً .

أن الجمود الملحوظ في وتر التطوير والتحديث في المناهج الطبية والصحية الحالية يعكس مدى الجمود في العملية التعليمية التي تستهدف أهم وأخطر فئة في سوق العمل السعودي : الممارسين الصحيين . لذلك فإن مسئولية تطوير المناهج يقع عاتقها على الجميع من أكاديميين وأطباء وصيادلة وممرضين وأخصائيين بمختلف مجالاتهم ، وعلى الطلبة أنفسهم الذين سيكون لهم دور كبير في المستقبل القريب – دون أي شك – في عملية تطوير المناهج الطبية في المملكة .