الأحد، 26 أغسطس 2012

فوائد السفر ، والرؤية القاصرة .

(تم نشر المقال في مجلة نبض)

مازالت تلك الأبيات الشعرية التي كان يرددها عمّي - حفظه وأثابه الله - على مسامعنا ناصحاً لنا ، كلّما خرجنا في رحلة قصيرة خارج المدينة المنورة ، عالقة في ذهني منذ عشرات السنين ،،، فأتذكرها حيناً وأغفل عن بعض معانيها حيناً آخر . كنت صغيراً عندما سمعت تلك الأبيات لأول مرة ، ولم أعلم أن قائلها هو الإمام الشافعي رحمه الله إلا بعدما دخلت المرحلة المتوسطة .

تغرَّبْ عن الأوطان في طلـب العـلى ،،، وسافر ففي الأسفارِ خَمسُ فوائدِ
تَفَرُّج همٍّ واكتسـابُ مــعيشةٍ ،،، وعلمٌ وآدابٌ وصُحبةُ ماجدِ
فإن قـيلَ في الأسفــارِ ذُلٌّ ومحنــةٌ ،،، وقطعُ الفيافي وارتكابُ الشدائدِ
فـموتُ الـفتى خيٌر لهُ من قيامهِ ،،، بدارٍ هوانٍ بين واشٍ وحـاسدِ

لم يكن يدور في خلدي أن أقوم بتطبيق تلك النصيحة تطبيقاً عملياً يجعلني أعلم يقيناً قيمة تلك الأبيات . فتأثير السفر والاغتراب وكثرة التنقل له وقع كبير على النفس البشرية حسياً ومعنوياً . وإنك لتستطيع أن تتبين ما إذا كان هذا الشخص أو ذاك قد سافر ومشى في أرض الله الواسعة من عقليته في تدبر العوارض وسرعة حكمه على المُستحدَثات . وكذلك في معرفته لطبائع الناس المختلفة وتمرسّه في عاداتهم وتقاليدهم . وكذلك في وزن الأمور بميزان عريض مدى حنكته واستيعابه .

بعض الأشخاص يعتقد أنه لا يمكن النظر إلى الدنيا إلا عبر منظار واحد فقط 

وفي وقتنا الراهن ، ونحن نعاصر طفرة في ابتعاث أبناء وبنات الوطن لاكتساب العلم والمعرفة من شتى بقاع الأرض ، فإنه يجب علينا أن نسعى جاهدين للخروج من تجربة الابتعاث هذه بأكبر المكاسب وأن نستغل فرصة العمر التي لن تتكرر أيما استغلال ، لأنني أعتقد أن الشهادة محصول عليها بحول الله وقوته ، إنما هي تلك الخصال الإضافية (اكتسبها من شاء الحق تبارك وتعالى له أن يكتسبها) التي تشكل الفارق الجوهري بين شخصيات الأفراد وعقلياتهم .

يجب علينا أيها الأحبة ، في مشرق الأرض ومغربها ، أن نحاول اكتساب مهارة وفن التعامل مع الآخرين ، وطريقة تسيير المجتمعات الغربية لأمورها الدنيوية صغيرها وكبيرها ، واستنباط آلية تفعيل الأنظمة الورقية القابعة تحت أكوام الأدراج المكتبية في مؤسساتنا الحكومية والخاصة . فما أُتيحَ لنا اليوم ، لم يكن متاحاً لغيرنا بالأمس ، ولا أعلم هل سيتاح لأبنائنا وبناتنا في الغد أم لا .

إننا في حاجة لكي نخرج عن إطارنا الفكري الضيّق الذي ما أصبحنا نرى غيره ، بل وأن نحاول جاهدين تغيير الرؤية القاصرة لدى كثيرٍ من أفراد المجتمع الذي أصبحت توافه الدنيا المحيطة به تجعله يعتقد أنه أكثر أهل الدنيا مصائباً وتعاسةً ونكداً .