الأحد، 22 يوليو 2012

حرب الألقاب والأيديولوجيات

(تم نشر المقال في مجلة نبض)

تخرج كل يوم علينا حكاية أبشع من سابقاتها من مجرمين تجردوا من إنسانيتهم فقاموا بأفعال يستغفر من إثمها إبليس اللعين ويجزع من فظاعتها كل شيطان مريد ، والقاسم المشترك بيت كل تلك الجرائم هم ضحايا أبرياء ومدنيين ليس لهم في كل تلك الجرائم أي ناقة أو جمل .

سمعنا عن "آندرز بيهرنج" عندما قام بالذهاب إلى جزيرة صغيرة (عبارة عن منتجع صيفي) وفتح النار على كل من رآه في وجهه دون أي تمييز فقتل ٧٧ نفساً . وبعده "شيونغ هيو تشو" الذي قام بفتح النار داخل الجرم الجامعي في جامعة فريجينيا للتكنولوجيا فقتل أكثر من ثلاثين طالباً وأكاديمياً ، ومن ثم قتل نفسه بإطلاق النار على وجهه . وأخيراً عندما قام "جيمس هولمز" قبل عدة أيّام بحمل أربع بنادق وأكثر من ٤٠٠ رصاصة بعد أن لبس واقي للرصاص وقام بفتح النار داخل سينما فأصاب وقتل أكثر من ٧٠ شخصاً في أقل من دقيقة ، بل وقام بتفخيخ شقته السكنية لينفجر الباب في وجه الشرطة إذا ماقامت باقتحام شقته بعد اعتقاله ، وقد حدث .  ويجب هنا أن نؤكد على أن كل هذه الأحداث تمت في مجتمع مدني مسالم بعيداً عن النزاعات والحروب المسلحة ، فكل ضحايا تلك الجرائم مدنييون . 



وإن قرأت عن أخبار أولئك المجرمين في الصحافة المرئية والمسموعة لم تسمع بأنهم سوى مجرمين ، متمردين ، تخريبيين ، معتلون عقلياً وأي من تلك الألقاب التي غالباً مايمكن أن تجد لها تبريراً طبياً أو قانونياً أو حتى تعاطفياً .

فالمجرم الأبيض البشرة عندهم مهما بلغت أفعاله ومصائبه من فحش وفضاعة يقع تحت دائرة المرضى النفسيين والمساكين الذين يجب أن نفكر في آلية علاجهم وتحرير نفسياتهم المسجونة خلف قضبان تجاربهم المريرة التي مروا بهم وهم صغار . وإما إذا كان ذاك المجرم من أصحاب البشرة السوداء فهو حتماً مجرم عتيد وفرد من عصابة كبيرة . وطبعاً لايهم كونه كبيراً أم صغيراً ، متعلماً كان أو جاهلاً ، غنياً كان أو فقيراً ،،، فكل تلك الخصائص ليس لها أي قيمة .

أما هذا المجرم إذا كان مسلماً (وهنا بيت القصيد) فهو بكل تأكيد إرهابياً ، فدينه الإسلامي هو الذي حثّه على ذلك وكفى . ليس هناك أي حاجة لتبرير فعله أو دراسة سلوكه ، لايهم إن رمى حجراً صغيراً في وجه المستحلين الصهاينة في غزة ، أم تعثر وهو يمشي ليدعس صرصوراً صغيراً في جبال الهاملايا ، فهو في كلتا الحالتين إرهابيٌ يجب أن يتم تقييده بالأغلال والتخلص منه بأسرع وقت ممكن ، لأنه - بإجماع متشددي الغرب - مسلمٌ همجيٌ لا يحب الحياة ويكره الناس والمخلوقات الأخرى ويرى ضرورة إبادة كل من يتنفس دون تفكير .

كيف يسمح ذلك الصنف الكريه من البشر أن يجعلوا تصنيف الناس وتوزيعهم على مراتب وأنواع مختلفة من الأمور الاعتيادية بل والواجبة ، ثم يتحدثون بكل صفاقة وبرود وجه عن حرية التعبير والرأي ، وعن كيفية احترام الرأي الآخر . فيصبح نعت الناس بأبشع الألفاظ ضرباً من الحرية إذا كنت أبيضاً أو مسيحياً ، ويصبح من كلام الكراهية والعداء والبربرية والهمجية إذا كنت أسوداً أو مسلماً . وإن مما يزيد الحنقة ويرفع نسبة الضغط في الدم بعض الببغاوات في العالم العربي والإسلامي ممن تبنوا تداول تلك الألقاب بل وبصفة رسمية أيضاً وكأنهم سيخرجون من نطاق التصنيف العقيم الذي رسم حدوده أولئك الشرذمة الحاقدين .

ولم يعد هذا التصنيف التافه الهش يخفى حتى على المفكرين في شتى بقاع الأرض مهما اختلفت دياناتهم وأعراقهم ، فقد فاحت رائحة تلك الآيديولوجية المريضة ، وفاحت قبلها رائحة الإسلاموفوبيا حتى أزكمت أُنُوفَ الغرب قبل أنُوفنا . وأقرأ إن شئت ماكتب أحد الأمريكان أنفسهم يوم أمس عن تفاهة الوضع القانوني الحالي في أمريكا الذي يحمي حق البيض بشكل عام ويدين غيرهم .

مدونة أحد الكتاب من منطقة أريزونا الأمريكية

والسؤال هو: أولم يحن لبعض من يتشدق بتلك الألقاب التعيسة من أبناء جلدتنا أن يستحي على ما بقي من ماء وجهه ويخلع قناع الغباء عن عينيه ؟؟!!

الأحد، 1 يوليو 2012

السعوديون ، ومشكلة الإنتقاص من الآخرين ...

(تم نشر المقال في مجلة نبض)

نشأت أنا ونشأ غيري الكثير في بلاد الحرمين على أسس ومبادئ كثيرة ، منها ما بني على أسس عقدية صحيحة  - إن شاء الله - مستمدة من الكتاب والسنة ، ومنها ما هو مستمد من العادات والتقاليد والأعراف التي أصبحت تشكّل وتصيغ الكثير من طبائعنا ومفاهيمنا بل وحتى مبادئنا للأسف .

قلت للأسف ، لأنني قصدت تلك العادات والتقاليد والأعراف التي ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا في عادات العرب الأصيلة وأعرافهم ، ولا حتى في أسس التعامل الإنساني والتعايش الحضاري . وقلت للأسف ، لأنها كثيرة ومتعددة ، إرتخت أطرافها وارتسمت حدودها على عقولنا حتى أصبحنا نؤمن بها ونعتقد صحتها ، بل وأصبحنا نورثها للأجيال القادمة بناءً على تفكيرنا وإيماننا التام بها ، حتى أصبحت سمة نُعْرف بها بين أصقاع الأرض .

ولكنني سأوجز القول في هذا المقال عن صفة واحدة فقط من تلك الصفات – قد تكون في وجهة نظري الشخصية – من أسوأها وأكثرها تأثيراً علينا وعلى نمط وطريقة تفكيرنا . تلك هي صفة الإحتقار والنظرة الدونية لأُناس لا نختلف كثيراً عنهم ، إلا باختلافات وضعها آخرون نصب أعيننا ، واختلافات أخرى نسجتها تفاهات تفكير البعض وحقارة ما آلت إليه عقولهم .

انظر لهذا المقطع الذي يدمي القلب قبل العين ، واقرأ إن شئت بعض التعليقات وما يقولونه عن السعودية :




نظرتنا أيها الأحبة لبعض الناس على أنهم أقل قدراً ومكانةً ومنزلةً ، ومثلها عقدة "الأجنبي" ، مشكلة كبيرة يجب أن نتدارك خطورتها ونقف أمام انتشارها حفاظاً على هويتنا الإسلامية ، وحفاظاً على عراقتنا العربية ، وحتى حفاظاً على آدميتنا الإنسانية . تصنيف إخواننا من باكستان والهند وبنجلاديش وأفغانستان وكشمير وموريتانيا وغيرها الكثير على أنهم أقل إنسانية منّا أمر مخجل ومزري إنّما يدل على انحطاط المستوى الفكري للقائل به وقلة عقل من صدّق به . وكون تلك النظرة الإنتقاصية بنيت على أفعال شريحة معينة من الناس من تلك الدول قدموا للعمل معنا (قلت معنا وليس عندنا) في المملكة العربية السعودية ليس دليلاً كافياً حتى نعمم على شعوب بأكملها ما يفعله بعضهم .

·         هل هو خطأ تلك الشعوب أن يذهب السعوديون إليهم فيجلبوا أقل مواطنيهم تعليماً وتهذيباً ليعملوا في أعمال تأنف أنت حتى من ذكرها .
·         هل هو خطأ تلك الشعوب أن تُـفْـتـتـح عشرات مكاتب الإستقدام السعودية عندهم لتقوم بشحن وإرسال كل من لا ناقة له ولا جمل في وظائف لا يعرف حتى كيف ينطق اسمها ، ثم لا يتم حتى صرف استحقاقاتهم التي تم التوقيع عليها .
·         أليس السعودي بشكل خاص ، حتى وقت قريب ، هو الزبون المعروف في بعض الدول العربية وغير العربية لكل أنواع الشهوات المحرمة . قال لي سائق تاكسي يوماً في بلد عربي شقيق وقد أخذني من المطار في شهر رمضان المبارك (وسأقف أمام الله ليسألني عمّا أقول) "يبدو أنك غبي لتأتي من السعودية إلى هنا في رمضان ، لأن من يأتي هنا يبحث عن الخمر والنساء" ، فهل تحبّ أن تدخل أنت تحت دائرة تصنيف سائق التاكسي هذا ؟ فكيف ترضى بمثله لغيرك إذن؟
·         ألست تعتقد أنه يجب أن تتم معاملتك باحترام في أي مكان تذهب إليه في العالم (وكم رأينا وسمعنا من شكاوى السعوديين في الخارج في المطالبة بحقوقهم) ، قل بالله عليك ، كيف ترى الأجانب والعمّال والخدم عندنا ، وهل تعجبك طريقة تعامل الناس معهم ؟
·         كيف أصبحنا نرى حق الحفاظ على احترامنا وحق تضييع احترام الآخرين ، هل هذا من الإسلام ، هل هذا من العروبة الأصيلة ، هل هذا من الإنسانية ؟؟؟
لقد عايشت وعملت مع الكثير من أبناء الجالية الإسلامية خارج بلاد الحرمين ، علماء وأطباء ومهندسين ومثقفين ومفكرين ، تحتقر نفسك والله ، أمام علمهم وأدبهم وسمو أخلاقهم ، ومحافظة بعضهم على مبادئ الإسلام الحقيقية ، وعلى تقاليدهم وعاداتهم التي تعلموها في بلدانهم .

إن أول طريقة لحل هذه المشكلة هو الإعتراف بخطأنا ، وبأننا تشربنا هذا الكم الهائل من تفاهات (إرفع راسك إنت سعودي) ، وأن نأخذ على يد كل من تسول له نفسه إهانة واستنقاص إخواننا المسلمين في كل مكان ، حتى تعود مكانتنا ومحبتنا في صدور العالمين .