السبت، 5 مايو 2012

عصر الجاهلية الحديث


تداولت مواقع التواصل الإجتماعي وصحيفة سبق الإليكترونية خبر إطلاق نار على مواطن قام بالإعتداء الجسدي على رجل مرور حاول الأخير تحرير مخالفة بحقه لقطعه الإشارة وهو متوجه إلى منزله . ويظهر في الفيديو رجل المرور وهو يحاول إستيقاف المواطن وإرغامه على الدخول إلى الدورية مع رفض المواطن لذلك ، حيث تطوّر الموقف إلى عراك بالأيدي عقبه إشهار رجل المرور لسلاحه وإطلاق طلقة واحدة استقرت في ساق المواطن .




للأسف ، فإن مثل هذه المشاهد تؤكد لنا أن البعض مازال يتهاون في مسألة تطبيق النظام ، وأنهم مازالوا يعتقدون أن خرق النظام يمكن تبريره من وجهة النظر الشخصية ، فالمواطن في المقطع السابق برر فعلته بأنه مستعجل وأن هناك ضيوف ينتظرونه في المنزل . ورجل الأمن برر فعلته بأنه حاول توثيق حركة المواطن دون جدوى وأن المواطن اعتدى عليه جسدياً . هذا النوع من المشاهد يؤكد على أن الغالب في تصرفات المجتمع هي الدوافع الفكرية والعاطفية والثقافية الفردية ، وليس النظام الإجتماعي والقانوني بل وحتى الإسلامي .


ليس من حق المواطن أن يقاوم الإعتقال مهما كان موقناً بأنه على صواب ، وليس من حق رجل الأمن إطلاق النار على رجل أعزل دون سلاح . كلاهما خرقا النظام من وجه أو آخر ، ولكن المشكلة ليست في الأفعال ، بل المشكلة دائماً في نمط التفكير الذي أوصل الإثنين إلى هذه الأفعال . هذا التفكير يشكّل خطراً على التشكيل الفكري والبناء الثقافي لأفراد المجتمع .

كيف تعتقد أخي المواطن أنك تسطيع خرق النظام – بطريقة أو بأخرى – ثم تقاوم رجل الأمن الذي حاول اعتقالك بسبب ذلك الخرق ، ثم تعتقد أنك محق تماماً في تعدّيك عليه بل وتحاول رفع قضية عليه أنه قام بإطلاق النار عليك . كيف تحتكم إلى نفس النظام الذي خرقته قبل قليل ؟ كيف ترى أنه من الواجب تطبيق النظام فيما إذا حاول أحد الإعتداء عليك ، بينما لا ترى مشكلة في اعتدائك أنت على أمن وسلامة الآخرين بقطعك لإشارة المرور؟ هل نسيت أنك الآن تحاول تطبيق النظام الذي رميت أنت به عرض الحائط ؟؟!!


كيف تعتقد أخي رجل المرور أنك تسطيع إطلاق النار على رجل أعزل في الشارع . لماذا لم تقم بالتبليغ عن المخالفة فحسب ؟ وإن كانت التعليمات الخاصة بك تنص على اعتقاله ، فلماذا لم تطلب المزيد من الدعم ثم تقوم بعملية الإعتقال ؟ وإن كنت موقناً بأن مافعلته صواباً ، لماذا لم تقم بالاتصال على الإسعاف لحالة أنت المتسبب الأول والأخير فيها ؟


لماذا تطورت المشكلة بين رجل الأمن الذي يطبق القانون والمواطن الذي خرق القانون لتصبح مشكلة شخصية بين الإثنين ؟ لماذا أصبحت مسألة تطبيق النظام فيها رجولة ومرجلة ومراجل وعلوم رجال ،،، هل تعتقد يقيناً أن مقاومة الإعتقال من المرجلة ؟ أم إطلاق النار في الشارع من المراجل ؟ أم تمزيق ملابس الأخرين وصفعهم على وجوههم من علوم الرجال ؟ إن لم تكن هذه التصرفات تدل على الجاهلية ، فأنا لا أعلم على ماذا تدل !!

ثم إلى متى نظل نسمع أن غالب الأعذار تهوي على شمّاعة الغضب والانفعال وفقد السيطرة على الأعصاب . فلو كان الغضب وسيلة مشروعة لتبرير الأفعال أياً كان تأثيرها ووقعها على الآخرين ، فإن تبرير موقف المواطن الذي قام بالإعتداء على رجل المرور بأنه فقد أعصابه وبأنه وصل حالة شديدة من الغضب تتيح لنا تبرير موقف رجل الأمن الذي شهر مسدسه وأطلق النار على المواطن ، فهو أيضاً قد انتابته حالة من الغضب وفقد على أثرها أعصابه . مثل هذه التبريرات زائفة وليس لها قيمة عند الفصل بين أطراف الخصام .

مسألة حفظ الأمن وتطبيق النظام ليست مسألة سهلة يمكن التغافل عنها والإستهتار في التعامل مع حيثياتها وتعقيداتها الكثيرة . والمجتمع السعودي – مثله مثل كثير من المجتمعات العربية – مازال يقبع تحت دائرة الإستهتار بالنظام في كثير من الأمور ، وإن دلّ ذلك على شيئ فإنما يدل على أننا مازلنا نعيش في عصر الجاهلية الحديث . الجاهلية التي حررّنا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن يأبى بعض الناس إلا عناداً وتكبراً وغروراً .