الخميس، 15 مارس 2012

إلى أرض الحجاز

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه ومن أستن بسنته وأهتدى بهديه إلى يوم الدين ،، أما بعد ... فألا موصلاً كتابي هذا للأستاذ عبدالرحمن أبومنصور ...

لستُ يا أستاذي الكريم مدافعاً عن أرضي ، أرض الحجاز ، فهي أجل قدراً وأعظم منزلةٍ من أن يدافع عنها وعن مكانتها مثلي .

أنا المدينة من في الكون يجهلني ... ومن تراه درى عني وما شغفا
فتحت قلبي لخير الخلق قاطبة ... فلم يفارقه يوما منذ أن دخلا

ولست مذكراً لك بالتعريف الشرعي للعنصرية ، فالحق تبارك وتعالى قد أوضح ذلك في سورة الحجرات :{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (13) ، وصح عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال :{دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ} رواه البخاري . ولست مذكراً لك أيضاً بسؤالك عن ولاء إقليم الحجاز السياسي – الذي قلت عنه أن الأكثر إنسلاخاً في التاريخ – لأنك تغافلت عن إجابتك أنت ، وهي حقيقة أن المطامع السياسية لكل من في الأرض منذ بعثة رسولنا – صلى الله عليه وآله وسلم – إلى اليوم تبدأ وتنتهي عندنا في الحجاز بسبب الحرمين الشريفين ، فكيف أصبح أهل الحجاز هم السبب في ذلك ؟

لكنني أحببت أن أذكرّك ، أستاذي الكريم ، بأن شهادتك على انحدار الدعوة إلى الله في إقليم الحجاز – كونك باحث في التاريخ الإسلامي – مردودة عليك جملةً وتفصيلاً لأن الحقائق التاريخية تشهد على ذلك . فمكة المكرمة والمدينة المنورة كانتا ومازالتا الوجهة الأسمى لكلٍ طلاب العلم الشرعي من شتى أنحاء العالم العربي والإسلامي .

القرآن الكريم نزل في مكة وكُتِب في المدينة ، والحديث الشريف تدواله الصحابة الأطهار في مكة ومن ثمّ دوِّن في المدينة  ، وكبار علماء المسلمين وأئمة السلف ترعرعوا وعاشوا وتعلموا دين الله في مكة وفي المدينة ، كالإمام البخاري صاحب أصحّ الكتب بعد كتاب الله والإمام مالك بن أنس صاحب الموطأ والإمام الشافعي مؤسّس علم أصول الفقه والإمام الذهبي صاحب سير أعلام النبلاء والإمام المجدّد محمد بن عبدالوهاب صاحب كتاب التوحيد والشيخ محمد العوضي المفكّر الإسلامي المعروف وغيرهم الكثير .

ومازال العلم الشرعي يؤخذ إلى اليوم من عقر بلاد التوحيد ، من المسجد الحرام ومن المسجد النبوي (أسأل الله أن يجمع شملهم بالمسجد الأقصى) . فعلماء الحرمين الشريفين ياأستاذي الفاضل ، لاتفرّقهم القبليّة العَفِنَة التي ناديت بها في لقائك ببرنامج اتجاهات . فالعلم الشرعي قد مالت له قلوب كبار الأئمة من كل أقطار العالم العربي والإسلامي فهاجروا بأنفسهم وأموالهم ومكثوا هنا ، حيث وجدوا العلم الشرعي وحيث وجدوا الدعوة إلى الله في بلد الله الحرام وفي مدينة نبيّه محمد – صلى الله عليه وآله وسلّم .

وأحببت أن أذكرك أيضاً ببعض هؤلاء العلماء ، فأسمع إن شئت عنهم وعن فضل طلب العلم في مسجد سيدنا محمد – صلى الله عليه وآله وسلّم – لأحد علماء المدينة المنورة الحاليين (أسأل الله أن ينفع به وبعلمه) الشيخ صالح المغامسي .



وأخيراً ، أقول لك أستاذي الكريم ، إن كان رسول البشرية ومعلم الإنسانية يقول بأن الإيمان معقله هنا ومأزره هنا ومرجعه هنا ومردّه إلى ها هنا ، فهل أصدقك أنت بأن الدعوة إلى الله انتكست في الحجاز ولم تنتكس في نجد أو غيرها ، أم أصدق محمداً صلى الله عليه وآله وسلّم حين قال :{إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها} رواه البخاري .

قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى –  :(وفيه أيضاً إشارة إلى أن الإسلام كما انطلق من المدينة فإنه يرجع إليها أيضاً ، فإن الإسلام بقوته وسلطته لم ينتشر إلا من المدينة وإن كان أصله نابعاً في مكة ، ومكة هي المهبط الأول للوحي لكن لم يكن للمسلمين دولة وسلطان وجهاد إلا بعد أن هاجروا إلى المدينة ، فلهذا كان الإسلام بسلطته ونفوذه وقوته منتشراً من المدينة وسيرجع إليها في آخر الزمان) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين الجزء/1 ص/55 .

فقل لي بالله عليك ، أفنحن في أول الزمان ، أم في آخره ؟؟؟