الاثنين، 25 يوليو 2011

عصمة النبي المصطفى والصحيحين

لقد تكلّم عن عصمة النبي المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – أكثر من واحد من الأئمة المتقدمين والمتأخرين ، ولست في مقالي هذا باحثاً عن حقائق ليست موجودة ، ولا خائضاً في التافه من القول الشائع ، فلست بعالمٍ في الشريعة ، ولا في الفقه ، ولا في طعن الرجال وتجريحهم ... ولكنني ناقلٌ عن بعض الأئمةِ أقوالهم .. {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} الأنفال-42.

أولاً) عصمة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فيما يطيق من أقواله وأفعاله :

  • قال الإمام الذهبي – رحمه الله – في سير أعلام النبلاء :"وَالَّذِي لاَ رَيْبَ فِيْهِ أَنَّهُ كَانَ مَعْصُوْماً قَبْلَ الوَحْيِ وَبَعْدَهُ، وَقَبْلَ التَّشْرِيْعِ مِنَ الزِّنَى قَطْعاً، وَمِنَ الخِيَانَةِ، وَالغَدْرِ، وَالكَذِبِ، وَالسُّكْرِ، وَالسُّجُوْدِ لِوَثَنٍ، وَالاسْتِقْسَامِ بِالأَزْلاَمِ، وَمِنَ الرَّذَائِلِ، وَالسَّفَهِ، وَبَذَاءِ اللِّسَانِ، وَكَشْفِ العَوْرَةِ، فَلَمْ يَكُنْ يَطُوْفُ عُرْيَاناً، وَلاَ كَانَ يَقِفُ يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ قَوْمِهِ بِمُزْدَلِفَةَ، بَلْ كَانَ يَقِفُ بِعَرَفَةَ.وَبِكُلِّ حَالٍ، لَوْ بَدَا مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، لَمَا كَانَ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ، لأَنَّهُ كَانَ لاَ يَعْرِفُ، وَلَكِنَّ رُتْبَةَ الكَمَالِ تَأْبَى وُقُوْعَ ذَلِكَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْماً"
  • قال الإمام ابن القيم في صيد الفؤاد : وإذا كان الرسول كمجتهد قد كان يمارس الاجتهاد والشورى وإعمال العقل والفكر والاختيار بين البدائل فى مناطق وميادين الاجتهاد التى لم ينزل فيها وحى إلهى.. فإنه معصوم فى مناطق وميادين التبليغ عن الله - سبحانه وتعالى - لأنه لو جاز عليه الخطأ أو السهو أو مجانبة الحق والصواب أو اختيار غير الأولى فى مناطق وميادين التبليغ عن الله لتطرق الشك إلى صلب الرسالة والوحى والبلاغ"

ثانياً) عصمة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فيما لا يطيق من أقواله وأفعاله :

  • عاتب المولى – تبارك وتعالى – نبيه في يوم بدر على أخذ الأسرى دون مفاداتهم (كما أراد عمر بن الخطّاب رضي الله عنه) كما رواه القرطبي في تفسيره وابن الجوزي والغزالي وغيرهم الكثير ... (سورة الأنفال – الآية 25)
  • عاتب المولى – تبارك وتعالى – نبيه في في عبد الله بن أم مكتوم – رضي الله عنه – حين جاء يسأله في شيء من القرآن حيث أعرض الرسول عنه لانشغاله بدعوة رجل من عظماء المشركين كما رواه الترمذي في الجامع ومالك في الموطأ . (سبب نزول سورة عبس)
  • عاتب المولى – تبارك وتعالى – نبيه في زينب بنت جحش وزيد بن حارثة – رضي الله عنهما – كما في سورة الأحزاب آية 37 .

ثالثاً) عصمة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فيما يبلّغه من الوحي :

  • روي عن العلاّمة ابن باز أنه قال " قد أجمع المسلمون قاطبة على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام – ولاسيما محمد – صلى الله عليه وسلم – معصومون من الخطأ فيما يبلغونه عن الله عز وجل" فتاوى ابن باز (الجزء السادس)
  • قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في مجموع الفتاوى " فان الآيات الدالة على نبوة الأنبياء دلت على أنهم معصومون فيما يخبرون به عن الله عز وجل فلا يكون خبرهم إلا حقاً وهذا معنى النبوة وهو يتضمن أن الله ينبئه بالغيب وأنه ينبئ الناس بالغيب والرسول مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه "
  • والناظر إلى الأمر يجد أن تبيلغ الرسالة والوحي – بتكليف المولى تبارك وتعالى – يقتضي أن يكون المُبَلِّغ (بتشديد اللام وكسرها) وهو المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – أهل لهذا التبليغ ، فوجب أن تكون أخلاقه الظاهرة والباطنة ،، والتي يتم الاقتداء بها والأخذ بها على سبيل التشريع معصومة من الخطأ والزلل ، وإلا فكيف يأمر بأمر ويخالف ذلك ،، حاشاه – صلى الله عليه وآله وسلم – ..

وأما خلاف ذلك من أصل خلق الإنسان من التفكير والإجتهاد فيما دون التبليغ بالوحي ،، فالنبي – صلى الله عليه وآله وسلم – معرّض كما غيره من البشر ،، يقول الحق تبارك وتعالى في سورة الإسراء {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولً} الآية 93

وهذا لا يتعارض مع ماذكر في اجتهاده وتفكيره – إلا لمن كان قد وافق هواه اختلاف المراد – لأن الله – تبارك وتعالى – قد عصم نبيه المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – من قبائح الذنوب والزلل ، والمستنكرات من القول والفعل ... كيف وقد قال الحق – تبارك وتعالى – في مدحه – صلى الله عليه وآله وسلم – {وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ} سورة القلم – الآية 4 . وقالت عنه عائشة رضي الله عنها (كان خلقه القرآن) رواه مسلم ...

وقد كثرت مؤخراً الأقاويل الطاعنة في صحة الأحاديث واتصال السند في الصحيحين ،، والتي وثب لها بعض الناس وثوباً ،، وكأنما كان في قلوبهم مرضٌ قديم ٌ ،، وحقدٌ دفين ٌعلى أعلام السنة ، ورواة الحديث ، وشيوخ المسلمين ... فيخرج أحدهم يكذب الشيخ مسلم النيسابوري ويقذفه بالتدليس ويخرج ثانٍ يقول أن 80 بالمائة من أحاديث البخاري ضعيفة الإسناد ،، فحتى إذا ما سمعنا لهذا وذاك ،، جاء الأخير ليخبرنا أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أخطأ بفعل كذا وكذا ...

الله أكبر ،،، هل سمعتم هذا من الوحي ،،، هل تكلمتم مع جبريل قبل اليوم ،،، هل سهرت أعينكم في قراءة الحديث ،، هل شابت رؤؤسكم في تعلّم الفقه النبوي والسنة المطهّرة ،،، أم ألهمكم الله هذا إلهاماً ...

أنه – والله – من القبح والاستخفاف بعقول الناس ،، أن يقوم أحدهم بالطعن والتجريح والأخذ والرد ،، وهو لا يكاد يذكر أركان الصلاة الأربعة عشر ... لأن بيان مسألة العصمة في حق النبي محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – وغيره من الأنبياء قد تم بحثها وتأصيلها وبياناها مراراً وتكراراً ،، لكن بعض ضعاف المفكرين – الناسخون اللاصقون الذين يهرفون بما لا يعلمون – ترك هذا كله وتشبثّ بما يعيه عقله الناقص دون النظر إلى كامل المسألة واحتج فقط بمسألة ضعف الحديث ...

وإنه – والله – من عمى البصر قبل البصيرة أن يستبشرون بحديثِ واحدٍ اخُتُلِف في صحته ويتناسون قرابة 5 آلاف حديثٍ صحيحٍ ،، حفيت أقدام البخاري ومسلم في جمعها ...

بل وأعظم الشبهات أن تنشرح صدورنا حين نعلم أن هناك بحثاً من أحد علماء الشريعة والحديث قد دلّ على ضعف أحد الأحاديث في الصحيحين ،، فنغرّد ونستبشر ،، لأننا وجدنا أخيراً مخرجاً من تلك الكتب المليئة بالرجعية والتخلّف ... يقول أحدهم: هل تصدّق كلاماً قيل قبل 14 قرناً ، استيقظ يارجل نحن في القرن العشرين !!!

وأقول ،، لنِعَال الشيخ البخاري أو مسلم ،، أعظم عندي من بعض التافهين وأفكارهم .. ونعوذ بالله من الخذلان ...