الثلاثاء، 17 مايو 2011

أين نحن من الإخلاص في العمل ؟

في كل يوم نسمع عن اختراع جديد ، وعن تقنية حديثة ، وعن تطور مثير ، في شتى مجالات الحياة ...

من عالم الاتصالات والانترنت ، لعالم المركبات والطائرات ، لعالم الأسلحة والمتفجرات ، لعالم الطب والأدوية ، لعالم الفلك والكواكب ، وحتى عالم الحيوانات والنباتات والحشرات ...

ولكننا نسمع عن هذه الاختراعات والاكتشافات كمجتمع .. مُتَلَقي .. مستهلك .. مُهَمش .. يحب المستورد .. يعيش على نتاج خبرات الآخرين وأتعابهم .. مثله كمثل أي مجتمع من مجتمعات العالم الثالث ..

والسؤال هو: مالذي جعلنا نتأخر عن مصاف الدول المتقدمة ؟

لماذا تقدمت اليابان وفرنسا وألمانيا خلال 100 عام ، من دول كانت شبه مدمرّة بعد الحرب العالمية الثانية ، إلى أقوى الدول الصناعية في العالم ؟؟

لماذا انتكست الهيمنة العلمية الإسلامية من بعدما كان العلماء المسلمين – في مختلف أنواع العلوم والتخصصات – هم الاأقوى مركزاً والأعلى مكانةً والأكثر علماً ؟؟

مالذي حدث للمسلمين في الأرض ،، وماذا حدث للهِمّة العالية التي كان يتمتع بها من سبقنا ؟؟
تعددت الأسباب ، واختلفت الآراء ، وتشعّبت النظريات ، ولكنني أرى أنّنا فقدنا الإخلاص . نعم لقد فقدنا الإخلاص في العمل ..

اسأل نفسك أخي القارئ الكريم ، كم شخصاً تعرف سخّر وقته ونفسه وجهده للعلم أياً كان نوعه ؟؟
  • كم شخصاً تعرف يعشق الرياضيات للأرقام فقط ، يرى الناس معادلات يصعب فك رموزها ؟
  • كم شخصاً تعرف يعشق الفيزياء ، يقف طويلاً أمام تحول الثلج إلى ماء ثم إلى بخار دون أن تتغير تركيبة الماء الأصلية ؟
  • كم شخصاً تعرف يعشق الهندسة ، أجهدته ايجاد طريقة لتحويل الطاقة الحرارية إلى حركية ؟
  • كم شخصاً تعرف يعمل في أي وظيفة لحبه لتلك الوظيفة ، وليقدم خدمة للبشرية من خلال عمله في تلك الوظيفة ؟
  • ولكن ،، كم شخصاً تعرف يعمل في تلك المهنة لأنها الأكسب مالاً ، والأعلى مركزاً ، والأهم اجتماعياً ، والأقل جهدا ؟؟
لا أظن أن أحداً في زماننا هذا يعمل وهمّه هو العمل فقط ، يعمل لكي ينتج ويبدع ويخترع ويبتكر ويصدّر أفكاراً ومنتجات يستفيد منها هو قبل غيره ؟ وذلك في أي وظيفة كانت ، لأن الانتاج والابداع والاختراع والابتكار ليسوا محصروين على تخصص واحد أو مهنة معينة ..
في دول العالم الأول ، في الدول الصناعية الكبرى ، تجد كلاً يعمل في مهنة قام هو باختيارها منذ الصغر ، كانت هي طموحه ، وكانت هي حلمه ، وكانت هي مبتغاه .
  • هو لا يعمل من أجل الراتب فهو يعلم يقيناً أن الراتب هو حق طبيعي مكتسب بسبب العمل الذي يقوم به .
  • هو لايعمل من أجل المنصب فهو يعلم يقيناً أن المنصب يعتمد على مدى فعاليته وابداعه في عمله .
  • هو لايعمل من أجل المكانة الاجتماعية فهو يعلم يقيناً أن المكانة الاجتماعية مرتبطة بأهمية الخدمات التي يقدمها من خلال عمله للبشرية .
  • وهو لايعمل في أقل الأعمال جهداً ، فهو يعلم يقيناً أن العمل المتقن والمهم والمتميز لايأتي بسهولة .
لذلك تربّعوا على عرش العالم ، لذلك كانوا أكبر قوة اقتصادية وعسكرية وعلمية وطبية وهندسية وفلكية و و و و ، لذلك أصبحوا هم القادة وصنّاع القرار ، وأصبح الآخرون للأسف مجرد توابع .

يقول ابن القيّم في مدارج السالكين: أن الإخلاص هو التوقَّي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك و الصدق هو التنقي من مطالعة النفس ، فالمخلص لا رياء له والصادق لا إعجاب له ، ولا يتم الإخلاص إلا بالصدق ولا الصدق إلا بالإخلاص ولا يتمّان إلا بالصبر ..

فأين نحن من الإخلاص والصدق والصبر ، أين نحن من الإخلاص في العمل ، أين نحن من قناعة ابن القيم التي وصل إليها من قبلنا ، ووصل إليها أفراد دول العالم الأول .. نعم أفراد .. أفراد قامت على أكتافهم تلك الدول ..

فمتى نرى الإخلاص في مجتمعاتنا ، الاخلاص الذي يدفعنا إلى العلم والعمل ، الأخلاص الذي سينقذنا من غياهب المستقبل ، الإخلاص الذي نرفع به الأمة الأسلامية إلى ما كانت عليه ، الإخلاص الذي سنقابل به المولى يوم القيامة .

يقول الحق تبارك وتعالى :{ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ } التوبة .