السبت، 17 ديسمبر 2011

رسالة إلى أطباء المستقبل ،،،


(تم نشر المقال في مجلة نبض)

تقع على أبنائنا وبناتنا الذين يدرسون التخصصات الصحية بكافة أنواعها مسئولية كبيرة وواجب عظيم يتشرفون بحمله أثناء دراستهم وبعد تخرجهم من مقاعد الدراسة والتدريب إلى ميادين العمل وساحات القطاع الصحي . وتتضاعف تلك المسئوليات والواجبات على جيل الأطبّاء الصاعد ، فإليهم سيهرع الكبير والصغير من أبناء هذا الوطن للبحث عن علاج معتمدين بالكامل ـ بعد الله سبحانه وتعالى ـ على الخبرة والمهارة التي يعتقدون أنهم سيجدونها لديهم ، طبيباً عامّاً كان في أصغر مركز صحي ،، أو إستشارياً في أكبر المستشفيات المرجعية .. وفي المستقبل القريب إن شاء الله سوف تكون أنت المعنيّ أيضاً بهذا الحِمل وتلك المهمّة الصعبة ، فهل تعتقد أنك جدير بتحمل تلك المسئولية ؟ وهل تستطيع أن تلقي على عاتقك همّ علاج شعب بأكمله ؟

نعلم أن الحمل فعلاً ثقيل والمشوار جداً طويل . ولكن لتكون طبيباً يضع باقي الناس حياتهم بين يديك ، وجب أن تمر بمراحل تأهيل متعددة لكي تصل إلى مبتغاك ومبتغى وطنك منك ، وتصبح أهلاً للمكان الذي ستشغله . لذلك كانت مراحل التأسيس الأولى خلف مقاعد الجامعة لدراسة مواد الطب الأساسية (العلوم الطبية) مطلب حيوي لا يمكن التهاون فيه ولا يمكن التنازل عنه ، وذلك كي تجعل لنفسك قاعدة معلومات أساسية يمكنك الإرتكاز عليها عند البدء في دراسة المواد الإكلينيكية (العلوم السريرية) .

فحاول دراسة تلك المواد لنفسك ولنفسك فقط ، وليس للدرجات أو للمعدل . أنشئ من فهم تلك المواد طريقاً واضحاً تهتدي به لفكّ رموز وشفرات التناغم والانسجام بين أعضاء وخلايا الجسم المختلفة . حوّل المعلومات التي تتلقاها يومياً في كل المواد لرواية تحكي عظمة الخالق في تكوين الجسم البشري .

دراسة الطب بالذات تتطلب جهداً كبيراً لربط المعلومات بعضها ببعض ، وجهداً أكبر لمحاولة دمج تلك المعلومات من علوم الطب المختلفة لاستنباط خصائص إكلينيكية معينّة تساهم في فهم الوظيفة الحيوية التي أرادها الخالق تبارك وتعالى لكل جزء من أجزاء الجسم . فدراسة العلوم الطبية الأساسية في بداية مشوارك الطبي هي دراسة لوظائف الجسم الأصلية التي لم يشوّها المرض ولم تفتك بها الميكروبات ، وحين تغوص في أعماق الدراسة الإكلينيكية  سينصّب اهتمامك على فهم آلية تكوين المرض الذي أخلّ بتلك الوظيفة ؟ فإن كنت قد تساهلت وتكاسلت عن فهم التكوين الطبيعي والأصلي لتلك الخلية أو النسيج أو العضو ، فكيف ستعرف كيف سيتكوّن المرض أو على أي جزء سيؤثر ؟ أو في أي مرحلة يمكن التدخل لعلاج ذلك المرض ؟؟

أما إذا اجتزت كل تلك المراحل بنجاح ووصلت إلى مرحلة الممارسة الأوليّة (سنة الإمتياز) فاعلم أنك ستقوم بصقل كل الخبرات والمهارات التي اكتسبتها خلال السنوات الست الماضية . ففي أشهر معدودة سيكون مطلوباً منك تكوين تشخيص واضح للحالات المرضية الإعتيادية والمتكررة في المجتمع السعودي ، بل ومعرفة العلاج المناسب لتلك الحالات .. وسيكون من المفترض أيضاً أن تكون قد حددّت الطريق الذي ستريد أن تسلكه بعد التخرج ، فدراستك للطب تعني حتماً ميولك واهتمامك بتخصص معين تجدك ملماً بكل تفاصيله ومتابعاً لآخر أخباره وتطوراته وواثقاً عند مناقشة أشد حالاته تعقيداً ..

ثم أن رحلة التعليم في الطب لا تنتهي بعد التخرج بل هي البداية الحقيقية للمشوار ، فما تعتبره أنت اليوم معلومات جديدة وغير مسبوقة ، ستكون تاريخاً سحيقاً ومعلومات قديمة في الغد .. ذلك أن خلق الله سبحانه وتعالى لا يمكن الوصول إلى منتهاه ولا سبر أغواره بالكامل ، فكم رأينا من رموز وعلماء في الطب قد شابت رؤوسهم يقبعون في الكراسي يستمعون لشاب قام باكتشاف مذهل أو علاج فعّال .. فهذه هي سنة الحياة وهذا أمر الله الباقي حتى قيام الساعة .

ختاماً ،، إعلم أن هناك من يحاول المستحيل لجعل تجربتك الجامعية تجربة مفيدة وممتعة وسهلة قدر المستطاع ، واعلم أنهم يدعون لك بظهر الغيب ويفرحون بفرحك ويزعجهم تكدرك وحزنك ، واعلم أيضاً أنك عندما تفرح بنتيجتك أو تبتهل بتخرجك فإن وطنك يفرح ويبتهل معك أيضاً ، وطنك الذي احتضنك بأرجائه فشربت مائه وتنفست هوائه ، وطنك الذي ينتظرك أن تدفعه إلى الأمام ليصل إلى ماوصلت إليه بعض الأوطان التي تربعت على عرش العالم ، ليس بشيء إلا بقوة من وقف ورائها ودفعها بكل قوة من شبابها وشاباتها .

أسأل الله العلي القدير بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ، أن ينير طريقكم وأن ينفع بلادكم بكم ، وأن يجعلكم قرة عين لأهليكم وأحبابكم ووطنكم ، وأن نراكم نجوماً تتلألأ في سماء مملكتنا الحبيبة ، نجوماً نفاخر بها العالم في العلم والمعرفة والأخلاق والأدب .

الثلاثاء، 1 نوفمبر 2011

الديموقراطية الأمريكية ، واليونيسكو

منظمة الأمم المتحدة للتعليم والعلوم والثقافة (تعرف اختصاراً باليونسيكو) هي منظمة متخصصة تحت مظلة منظمة الأمم المتحدة (والتي تضم في عضويتها 195 دولة) تقوم على دعم كافة السبل السياسية للتواصل الحضاري والسلمي بين مختلف الحضارات والثقافات تحت شعار الاحترام المتبادل للقيم والمبادئ الإنسانية . ومن أهم أهداف اليونيسكو الرسمية والمعلنة هو نشر السلام والعدالة بين المجتمعات من خلال التبادل المعرفي والثقافي ونبذ التفرقة العنصرية المبنية على أي نوع من أنواع الاختلاف (جنسي ، ديني ، طبقي ، حضاري ، إلخ) ...

في يوم الاثنين الموافق 31 من شهر أكتوبر لعام 2011 ميلادي تمت الموافقة على طلب إنضمام فلسطين لعضوية المنظمة وذلك بموافقة 107 من الأعضاء على الإنضمام ورفض 14 وسكوت 52 ... وقد جاءت هذه الموافقة :
- بعد 38 يوماً من التقدم الرسمي لمحمود عباس (رئيس السلطة الفليسطينية) بطلب الإنضمام كدولة مستقلة معترف بها من المجتمع الدولي وعضو في الأمم المتحدة
- بعد 13 يوماً من بداية صفقة تبادل الأسرى والتي بدأت بتحرير 422 أسير فلسطيني مقابل بضع إسرائيليين
- بعد 53 سنة من تأسيس دولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية العربية

لو نظرنا بشكل عام لكيفية تعامل الدول الأعضاء في اليونيسكو مع طلب الإنضمام وكيف أن مندوبي 159 دولة كانوا يؤيدون انضمام فلسطين ، لوجدنا أن سياسات جميع هذه الدول تؤيد استقلال الدولة الفليسطينية عن الكيان الصهيوني ، وتؤيد خروج الشعب الفلسطيني عن رحمة الترسانة المسلّحة الإسرائيلية التي صرح مجلس الأمن مراراً وتكراراً أنه يتم استخدامها بشكل غير إنساني ومخالف للأنظمة الدولية . فإذاً غالبية الدول الأعضاء تؤكد على أن سياستها الخارجية تدعم الاستقلال الفلسطيني وتؤكد (عبر تصويتها) بأن المصلحة الدولية تحتم على بعض الدول - التي عارضت طلب الانضمام - الانصياع للتوجه الدولي والتحرك لإنجاح الطلب ومحاولة التقريب بين الدولتين المتخاصمتين وذلك عبر تطبيق خارطة الطريق التي تم اقتراحها من الولايات المتحدة الأمريكية ، والتي رفضت تطبيقها إسرائيل بشكل رسمي في 2003 ولم يتم تطبيق أي من بندوها على أرض الواقع حتى اليوم .




كل ما سبق ذكره يعتبر نبذة تاريخية بسيطة جداً عن الصراع الفليسطيني للتخلص من السرطان الإسرائيلي في المنطقة العربية . لكن ماوددت أن أسلّط الضوء عليه في هذا المقال هو الموقف الجبان والتافه من الإدارة الأمريكية الساقطة حيال منظمة اليونيسكو والذي اختصرته يوم أمس فيكتوريا نولاند المفوّضة الدائمة لدى الأمم المتحدة والمتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية بأن أمريكا سوف توقف كافة أنواع الدعم المادي للينويسكو (ومنه 60 مليون دولار كان المفترض دفعها خلال أسابيع) عقاباً لهم على موافقتهم على طلب انضمام فلسطين ... طبعاً ، ناهيك عن عدد مرات استخدامهم لحق النقض (الفيتو) لدى مجلس الأمن كلما صدر قرار بمعاقبة أو إدانة الكيان الصهيوني وأفعاله القذرة (29 مرة من عام 1983 إلى اليوم) ..

ولو سمعنا ما قالته فيكتوريا في المقطع السابق : (أن قرار الانضمام كان خاطئ وغير متعقل ومثير للأسف ، وأنه يخالف أهداف وتوجهات المجتمع الدولي الذي يريد السلام بين إسرائيل وفلسطين) ، مع أن 159 دولة عارضت وجهة النظر الأمريكية وقبلت انضمام فلسطين على أساس أن الانضمام سيسّرع عملية السلام بحيث يكون الضغط على إسرائيل أكبر في حال كانت فلسطين دولة مستقلّة ، إلاّ أن أمريكا مازالت تمارس دورالوصاية الفكرية على جميع الدول {قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاّ مَآ أَرَىَ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرّشَادِ} (غافر 29) ، وتخالف حتى خارطة الطريق التي قامت برسمها حيث كان أول بند في خارطة الطريق هو قيام دولة فلسطينية مستقلّة...

هذه تماماً فكرة الديموقراطية الأمريكية المزعومة والتي تسوّق لها أمريكا في إعلامها وفي سياستها الخارجية وفي حربها ضد الإرهاب في العراق وأفغانستان وباكستان واليمن . فمفهوم الديموقراطية عندهم أن تفكر كما نفكّر ، وتتكلّم كما نتكلّم ، بل وتغيّر سياستك الخارجية (كدولة) للتوافق مع سياستنا الخارجية . فإن لم تستطع فيمكنك تأجير دماغك لنا وسنقوم بالتفكير عنك مجاناً ،،، لأنك إن لم تكن معنا فأنت بالتأكيد ضدنا ... وإن كنت ضدنا فسنقوم بإرسال كلابنا المستأجرة لتستحلّ أرضك وتغتصب نسائك وتسرق نفطك ، على مرأى ومسمع من العالم ،، فإن لم نستطع إرسال كلابنا المستأجرة فسنرسل لك طائراتنا الآلية (بدون طيار) لنعربد في مجالك الجوي ومن ثم نقوم باستهداف كل من نراه مناسباً من رجال ونساء وأطفال دون أي سابق إنذار وبناءً على بعض التقارير والتوقعات والتنبؤات ... هذا مختصر السياسة الأمريكية وهذا تعريف الديموقراطية عندهم ...



الجمعة، 21 أكتوبر 2011

ربيع الثورات ،، وخريف الطغاة

لم أكن اعتقد حين بدأت الثورات العربية  في بداية العام الهجري الحالي أن ينتج عنها سوى المزيد من الدماء الشابّة الطاهرة ، والمزيد من المعتقلين الأحرار ، والمزيد من الآلام التي غالباً ما يكون معظم الناس في غنىً كبير عنها .. والسؤال الأهم الذي كان يتردد في خاطري من محرم إلى البارحة هو "هل سيتغير الحال بعد هذه الثورات؟"

فكثير من الأنظمة العربية - للأسف - تعتقد أن السلطة الممنوحة لها ليست لتنفيذ القرارات الإدارية الصارمة التي تدفع بتطور البلد إلى الأمام والضرب على أيدي الفساد واجتثاثها من جذورها ،، بل لاستعباد الناس وتهميشهم والاستفادة الشخصية القصوى من خيرات البلاد حتى لو أدى ذلك - بطريقة أو بأخرى - إلى قتل الشعوب ودمار المرافق الحيوية للبلد ..

لأنني كغيري من شباب الشعوب العربية تربيت وتعودت على نمط التفكير الانهزامي الدفاعي ، الذي يرى أن حال الفرد أهم من حال المجتمع ، وحال المجتمع أهم من حال الأمة بأكملها .. ونسيت أو تناسيت سورة الصف وحديث الجسد الواحد ..

رؤية القذافي اليوم وهو ملطخ بدماء الخوف والذل والهزيمة ، كانت كالصفعة القوية التي أفاقت ما بقي في داخلي من يقين وإيمان بأن يد العدالة الإلهية سوف تطال كل ظالم ولا شك ..

عجيب أمر هؤلاء الطغاة ،، وعجيب أمر من يطبّل لهم ويدندن على ألحان موالاتهم ونصرتهم .. شعب ينتفض بأكمله ، ووطن تهتز أركانه ، والجميع يطلب منك الرحيل لأنك "لا تستحق المكان الذي أنت فيه" ،، وأنت في عالمك الوردي تعتقد أن كل الأمور ممتازة وأن المتاظهرين هؤلاء مجرد جرذان وأن الشعب يحبك "ويموت في أهلك" ،، حتى جاء أمر الله وجاءتك فلول شباب الثورة الذين باعوا دمائهم رخيصة في سبيل تحرير وطنهم وأرضهم (التي أقسمت أنت كاذباً على حمايتها ورعاية مصالحها ،، ثم سرقتها ونهبتها وتركت فتات خيراتها يتقاسمه شعب بأسره) ..

فهنيئاً لك أيها العقيد بتلك النهاية ،، وهنيئاً لمسدسك الذهبي الذي راهنت عليه لينقذ حياتك من أيدي الشجعان ،، وهنيئاً للليبين وطنهم الذي كان مختطفاً ... وأسأل الله أن يعجل بزوال كل الظالمين ،، وأن ينصر الشعوب المظلومة المسلمة ، وأن يعيد عليهم نعمة الأمن والأمان والاستقرار في ظل حكومات جديدة أقل ما يقال عنها أنها "مخلصة" ...

الأربعاء، 7 سبتمبر 2011

الظواهر الطبيعية .. ومحدودية العقل البشري

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد صلى الله عليه ، وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين ..

فقد خلق الله سائر المخلوقات ، من أكبر الأجرام السماوية إلى أصغر الفيروسات الحيوية ، لأهداف وحِكَم لا يعلمها إلا هو تبارك وتعالى . وعندما خلق الله آدم وفضلّه على باقي المخلوقات {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ} (الإسراء-70) جعل من تمام هذا التكريم تسخير كثير من هذه المخلوقات لخدمة بني آدم وذلك لتسهيل معيشتهم وحياتهم وعبادتهم – التي خلقهم الله من أجلها – حتى يرث الله الأرض ومن عليها .

ولأن الله قد خلقَ للإنسانِ – وهو أعلم كيف خلقه – عقلاً يتّسم بالفضول ، فقد سأل الخليل – عليه السلام – ربّنا كيف يحي الموتى ، فلما سأله الحق تبارك وتعالى {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} (البقرة-260) ، وسأل موسى ربّنا قائلاً {رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} (الأعراف-143) ، وكان نبينا – صلى الله عليه وآله وسلم – يتفكر ويتدبّر أحوال الدنيا وأحوال قومه حتى جاءه الوحي . وقال الحق تبارك وتعالى في المؤمنين {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} (آل عمران-191) ، فالتدبّر والتفكّر دليل على عظمة الله سبحانه وتعالى في خلق عقولنا البشرية .

لهذا يسّر الله لبني البشر – بحكمته تبارك وتعالى – من الآيات والدلائل الهادية إلى عظمته وقدرته وذلك بما يتناسب وطبيعة العقل البشري الباحث عن الحقيقة ، وفطرة الإنسان الغريزية في حب تفسير الظواهر الطبيعية وإيجاد الأجوبة المقنعة لكل الأسئلة التي تعتري عقله المحدود . فعندما يحاول الإنسان تفسير أحد الظواهر الطبيعية أو إحدى المعجزات الطبية ، فإنه يجب عليه أن يقوم بذلك وفق حدود ما أنعم الله عليه من العلم والفهم والحكمة اللذين – مهما وصلوا من رفعة في القدر والمكانة – ليسوا إلا قطرة في بحر علم الله وفهمه وحكمته {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} (الكهف-109) .

وليس من المستغرب أن يحسب بعض علماء الغرب – الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر – أنهم قد بلغوا غاية العلم ومنتهاه ، وأن العالم الكوني بأسره قد أصبح مفضوح الأسرار وبسيط التركيب بل وسهل التنبؤ أيضاً . لكن العجيب أن يعتقد بعض من امتن الله عليهم بالعلم من علماء المسلمين ، أن يقوموا بالاعتماد على هذا العلم – الذي أسلفنا بأنه ضئيل على عظمته – في نقض بعض مما جاء في كتاب رب العزة والملكوت أو في سنة نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم .

أولم يعتقد العلماء الأقدمون (كاليونانيين والفينيقيين والصينيين) أن النار هي أحد عناصر الأرض اللازمة لتكوينه ، وأنها جزء لا يتجزأ من الأرض ، وأنها في وجود وقودها عبارة عن تفاعل غازي بحت بين الأكسجين والكربون . كيف يكون ذلك والحق تبارك وتعالى يقول { أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ} (الواقعة-72) فهي خلق كائن بذاته مختلف في مهيته عن باقي المخلوقات .

أولم يعتقد العلماء إلى عهد قريب بأن الحديد عبارة عن عنصر كيميائي هو الأكثر وفرةً على سطح الأرض ، وأنه المكون الرئيسي لقشرة الأرض الخارجية وأنه يتكوّن داخل قلب الأرض الشديد الحرارة . كيف يكون ذلك والحق تبارك وتعالى يقول { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} ، والإنزال للأرض لا يأتي إلى من السماء . وللعلم فقد امتلأت مجلة الآستروفيزكال العلمية – منذ قرابة 11 سنة إلى الآن – بأنواع البحوث التي تبين تقدير نسبة النيكل التي تتحول بفعل التحوير النووي في بعض النجوم كالشمس لحديد يتم نثره في الكون كشكل غبار كوني .

أولا يعتقد العلماء إلى يومنا هذا بأن جميع المخلوقات والمركبّات الحيوية وغير الحيوية وكافة أنواع وأشكال الحياة على كوكب الأرض تعتمد في تركيبتها الكيميائية على 118 عنصر فقط هي المكونة للجدول الدوري للعناصر ، وأنه لايمكن بأي حال من الأحوال – على حد زعمهم – بأن يوجد مركب ومخلوق في الأرض يحتوي على عنصر غير هذه . كيف يكون ذلك والحق تبارك وتعالى يقول {سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} (يس-36) فالجبار المتكبّر يجزم – سبحانه وتعالى عمّا يصفون – بأنه توجد مخلوقات لم ولن نعلم كيف خلقت .

والنظر إلى وجود الكثير من المجهولات والمغيبات والمتضادات في وقتنا الحاضر التي عجز العلم عن تفسيرها ، لا يدل إلى على زيادة الحجّة بضعف عقولنا ومحدودية تفكيرنا . فالعلم الحالي قد جزم وبما لايدع مجالاً للشك بأن الكروموسوم "واي" الموجود عند الرجل هو المحدد الوحيد للنسل مع العلم أنه صح عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أنه قال رداً على جماعة اليهود {فإذا اجتمعا فَعلا مَنِيُّ الرجل مَنِيُّ المرأة أذكرا بإذن الله ، وإذا علا مَنِيُّ المرأة مَنِيُّ الرجل آنثا بإذن الله} (صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد) . وقد أثبت العلم الحديث أيضاً أن البرق هو ظاهرة تفريغ الإليكترونات السالبة من السحاب إلى غيره من السحاب أو إلى الأرض وأن الرعد هو صوت ذلك التفريغ ويقول محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – عن الرعد {ملك من الملائكة موكل بالسحاب} (صحيح الجامع) .

وهناك غيرها الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة المتفق على صحتها والتي تنبأ عن بعض الظواهر الطبيعية التي لا يمكن – حسب مستوى العلم الحالي – أن تكون حقيقة علمية فهي أقرب إلى الخيال مثل إنشقاق القمر (القمر-1) ويأجوج ومأجوج (الأنبياء-96) وخلق الجن وطعامهم وأشكالهم (صحيح البخاري) والجسّاسة في جزيرة الدجال (صحيح مسلم) وعلامات ليلة القدر (صحيح الجامع) . فقد يصل العلم في المستقبل إلى تفسير بعض هذ الظواهر أو بعضها وقد لا يصل أبداً . فهل نناقش ونتحدى خالق هذه الظواهر بعلمنا المحدود وبفهمنا الناقص ونحن لسنا إلا خلق من خلقه {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} (يس-78) .

وختاماً فمن الواجب علينا كمسلمين وأصحاب علم أن نقف شامخين – رغم جهلنا – لنعلن أن النقص في فهمنا وإدراكنا وليس في كلام الحق تبارك وتعالى ولا في حديثه صلى الله عليه وسلم . وأن دراجتنا العلمية العالية وأبحاثنا المعملية الدقيقة وتجاربنا المخبرية المعقدة لا يمكن لها تبرير تلك الظواهر لأنّنا لم ولن نصل إلى تمام العلم وكمال الفهم ، لأن الله قد وعدنا بهذا ووعده قائم إلى قيام الساعة مهما بلغ العلم ومهما بلغت المعرفة ، يقول الحق جل شأنه {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (الإسراء-85) .

كتبه الدكتور بندر علي سليمان
عالم الطب الحيوي وعضو هيئة التدريس بجامعة طيبة بالمدينة المنورة
عضو الإتحاد الأوروبي لأبحاث السرطان وعضو الجمعية الأمريكية لعلوم الأمراض الإكلينيكية

الأحد، 4 سبتمبر 2011

احتفال النادي السعودي بمدينة ميلبورن بعيد الفطر المبارك

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى الكريم ...

عيد الفطر مناسبة عظيمة للمسلمين ، وليس المقام هنا لذكر أهميتها والندب للاحتفال بها وإظهار مشاعر الأنس والفرح فيها . وبما أننّا قد اغتربنا عن أوطاننا وأهلينا ، فإن أنفسنا تتوق لمثل هذه المناسبات لكي نجتمع مع بعضنا ونتشارك الفرح والاحتفال بمظاهر هذا العيد .. وأحب أن أذكر أنه من أعظم ما أمر الله به وكذلك نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم - هو الإصلاح بين الناس والمحاولة للتقريب بينهم وجمع قلوبهم على الحب والإخاء ، وإنها لمن أكبر النعم اغتنام مثل هذه المناسبات العظيمة لتنفيذ ما أمرنا الله ورسوله به . يقول الحق تبارك وتعالى {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} (النساء-144) ، وصحّ عن نبينا أنه قال في حديث أبو هريرة { ... والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه} (مسلم) .

ولقد كانت من أهداف النادي السعودي في ميلبورن بأستراليا جمع الكلمة وتقوية الروابط بين المبتعثين ، وإن كانت تلك الغاية السامية غير معلنةٍ في أنظمة النادي ، فأنها تظهر جليّةً في برامج الاحتفال وفي فقراته المتعددة في كل مرة أحضر فيها لقاءاً أو احتفالاً أو اجتماعاً للنادي .. ويكفي النادي من الأنشطة ، أنه يقوم بتجميع المبتعثين من كافة أنحاء المدينة ، ثم يقوم بتوفير المكان المناسب ، والمأكل والمشرب ، والمتنفس للأطفال ، لنجتمع مع أبناء وطننا ومع أحبابنا من الأصدقاء لنتواصل معهم ، ونبني أواصر محبة وصداقة مع آخرين لم نكن لنعرفهم لولا الله ثم احتفال النادي ذاك .

وبالنسبة لاحتفال العيد في هذه السنة ، فإن كلماتي تقف عاجزةً عن الشكر والتقدير لكل من شارك في إعداد وتقديم الحفل ولكل من شارك في يوم الحفل من تقديم الطعام وترتيب المكان والمحافظة على نظافته إما عند الرجال أو النساء .. صح عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال {لا يشكر الله من لا يشكر الناس} (البخاري وأحمد) ...

فوالله إنني أعلم أنكم جميعاً متطوعون ومحتسبون ومجتهدون ومتبرعون بوقتكم لنا ..
ووالله إنني أعلم أن لكم إلتزامات دراسية ، كما لجميع الحاضرين التزامات ..
ووالله إنني أعلم أن لكم أرتباطات عائلية ، كما لجميع الحاضرين ارتباطات ..
ووالله إنني أعلم أن لبعضكم مشكلات صحية أيضاً تعوقه حتى عن ممارسه نشاطه اليومي بالشكل الكامل ..

لكن الفرق بينكم وبين بعض الحاضرين ، أنّكم تركتم كل تلك الالتزامات والارتباطات والمشكلات ، وقمتم بتقديم خدمتنا على كل أولوياتكم .. أما بعض الحاضرين فقد تجاهل كل تلك التضحيات ثم نظر من ثقب ضيق ومنظار أسود وبرج عاجي وانتقد كل أعمالكم دون استثناء ، بل وطلب منكم المزيد في المرة القادمة كي ينتقدكم مرة أخرى ...

ختاماً ،، أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يدخل السعادة في قلوبكم كما أدخلتموها في قلوبنا وقلوب نسائنا وأطفالنا ،،
وأن يكتب لكم التوفيق والنجاح وأعلى الدرجات في دراستكم وفي عملكم ،،
وأن يكتب لكم أجر عملكم وابتغائكم الخير لما تقدمونه لنا من خدمات ونشاطات ،،

رسالة من قلبي لكل من قابلتهم في الحفل: أشهد الله وملائكته وحملة عرشه على أنني أحوووبكم (بالوااوووو) في الله ، أسأل الله أن يجمعنا في جنات النعيم كما جمعنا إخوة متحابين في هذا الحفل ...

وكل عام وأنتم ومن تحبون جميعاً بألف خير ..

الخميس، 18 أغسطس 2011

القول الباهر ،، في السعوديين مع ساهر

ساهر ،، نظام تصوير متطور يستطيع اكتشاف سرعة السيارة التي تمر بجانبه ومن ثم تحديد ما إذا كانت سرعة تلك السيارة تقع تحت الحد الأعلى المسموح به ، وإلا قام بتصوير السيارة بعد مرورها لاكتشاف رقم اللوحة ومن ثم تسجيل مخالفة مرورية بسبب السرعة الزائدة و كل ذلك يحدث في ثوانٍ معدودة ...

ونظام ساهر كنظام مروري يعتبر جديداً - نوعاً ما - في السعودية ،، لكن تم العمل به منذ سنوات طوال في كثير من الدول الأوروبية وأمريكا وأستراليا واليابان وسنغافورة وغيرها .. ولم أقرأ أو أسمع أي شكوى أو رأي عام يهاجم هذا النظام ويطالب بمنعه ويتعجب ويستغرب وجوده إلا في السعودية – تبارك الرحمن – وهذا يدل على أنه إذا كان هناك خلل ، فالخلل موجود في عقول الناس الذين يرفضون فكرة الانصياع لمبدأ تحديد السرعة وتنظيم عملية السير في الطرقات ..

ولأننا في المملكة – في الوقت الحالي - نعيش حالة من تفتح الذهن والرغبة في كسر حواجز الحريّات المتعارف عليها ، فربما ظن بعض "المتخلّفين فكرياً" أن ساهر يعتبر من رموز الظلم والعبودية والذل ،، ولذلك وجب تكسيره وتحطيمه والتحاليل عليه ، بل وحتى الافتاء بعدم جوازه ..

لن أقوم بطرح إحصائيات وأرقام عن عدد الحوادث في المملكة ...
لن أقوم بطرح إحصائيات وأرقام عن عدد الوفيات الناتجة عن تللك الحوادث ...
لن أقوم بطرح إحصائيات وأرقام عن عدد الإصابات الناتجة عن تللك الحوادث ...
لن أقوم بطرح إحصائيات وأرقام عن عدد التلفيات الناتجة عن تللك الحوادث ...
لن أقوم بطرح إحصائيات وأرقام عن عدد الخسائر الناتجة عن تللك الحوادث ...
لن أقوم بطرح إحصائيات وأرقام عن عدد الأناس الذين فقدوا آبائهم وأمهاتهم وأحبابهم وأقربائهم بسبب تلك الحوادث ...

ويكفينا أن نعرف ، أن السعودية وصلت قبل بضع سنين إلى أول دولة في عدد الإصابات بسبب الحوادث المرورية ... فهنيئاً للمتخلّفين فكرياً بهذه النتيجة ..

المشكلة ، أيها القارئ الكريم ، تكمن في عقول بعض الناس الذين يلومون نظام ساهر في إثقال كواهلهم بالديون بسبب تراكم المخالفات .. أقول تراكم المخالفات .. فهي ليست واحدة أو اثنتين فقط ..

وأنه من العجب والله ، أن تسمع هؤلاء يلقون باللوم على نظام مروري يعمل بالحاسب الآلي بسبب مخالفة مرورية كانت رجل أخينا أو إبنه أو سائقه هي من تسببت بها ،، نعم رجله التي داست – بدون أي تفكير – على دواسة البنزين ..

هل أجبرك نظام ساهر على القيادة بسرعة 80 كيلو/ساعة في شارع السرعة المسموحة فيه 60 مثلاً ؟؟
هل أجبرك النظام ، أو الدولة ، أو المرور ، أو حتى نفر من الجن على ذلك ؟؟
أولست أنت من قام بزيادة سرعته – وأنت تعلم يقيناً – أن هناك نظاماً يقوم بتصوير السيارات إسمه ساهر ؟؟

والأدهى من ذلك كله ،، أنّهم مقتنعون – وبلا أدنى مكان للشك – أن اللوم يقع على المسكين الذي يقبع في سيارة ساهر حتى يقومون بضربه في الشارع ، وتمزيق ملابسه ، وتكسير سيارته ، وإختلاع كاميرته ، والدعاء على رئيسه في العمل ...

وأصبح الجميع يتكلم ، والجميع يشجب ، والجميع يطالب بإيجاد حل لهذه المشكلة الرهيبة ،، والمعضلة الأزلية ، التي لم تواجه أحداً في التاريخ من قبل ..

والسبب ... عضلة متوسطة الطول تقبع داخل الساق تتحكم في قوة "دعس" أخينا على دواسة البنزين ومرتبطة ارتباطاً كلياً بمخيخ كره كل أنواع النظام والحضارة وأمتلئ بسمفونيات التخلف والعناد الهمجي .. فسبحان الله عمّا يصفون !!!

الجمعة، 12 أغسطس 2011

حوار على ضفاف النهر ...

الحمـــــد لله رب العالميـــن ،،، والصـــلاة والســــلام علــى أشــرف النـبـيـيــــــــن ..

سيدنا محمــد وعلى آلــه وصحبه ، ومن أستنّ بسنته وأهتدى بهديهِ إلى يــوم الديـــن ..

فهذا حوار دار بينـي وبيــن إخـوةٍ ، نحسبهم جميعاً – والله حسيبهم – من الصالحيــن ..

كنّا علــى ضفــاف نهــر ، نناقــش أمـرنا ويحتدّ بنا الكلام ،، لكننــا لبعــض محبــيّــن ..

قال أولهم : سئــمنـا من فكـركــم هــذا ، غثــاء وسـذاجـة وتغــريـر بـالنــاس أجمعـيـــن ..

تقولون بتطبيق الشريعة ، وأنتم لا تطبقونها ولا تفهمون معانيها ، ولستـم بذلك مكلّفيـن ..

تأخذون من السُنّـة ماتحبونــه ، وتتــركـون الباقي دون دراســةٍ ، أنتـم والله مفـلسـيـــن ..

وخير دليــل فتــاوى شيـوخكــم ، تـارةً يمنـى وتـارةً يسرى ، هذا هـو الضلال المبيــن ..

أنتم جميعاً على باطل ، مهما اختلفت ألوانكم وأشكالكم ، فتيّاركم الفكري هزيل وسقيم ..

كلكم من طينة واحدة ،، طالبــييّن ، وهّابــييّن ، سلفــييّن ، بل لستــم إلا جامــيـيّــــــن ..

قلت له : رويـدك صاحبــي ، فـنـحــن ولله الحمــد والمـــنّــة ، جـمـيـعــاً مـسـلـمـيــــن ..

نؤمن بالاختلاف صراحةً ، ونحفظ لك حق التساؤل والاستبيان ، ونحن بهذا مـجـتـمعين ..

الإسلام أُنزِل كلّه ، ولم يترك بعضه في السماء ، فالقرآن والسنّة هما منهاج الصالحين ..

حفظهم الأخيار من الأزل ، وقامـوا بتـوريث دراستهم وفكرهـم وعقيدتهـم للمـتـبـعـيــن ..

كلام ربـيّ واضحٌ ، وسنةُ نبيـهِ محفوظةٌ ، لمن أراد لنفسـه اتبـاع الطـريق المستقيــم ..

ولكن لاتفَّسر تلك النصوص على أهوائنا ، ولا تُحمّل معانٍ وتأويلاتٍ تخدِم المغرضِين ..

الوحي يُأخذُ بالتلقّي لا بالهوى ،، فهناك شيــوخ ، وعـلمـاء ، ودعــــاة ، ومـفسّـريــن ..

جُلُّ أمورنا محكومةٌ ، بنصوصٍ صريحةٍ ، اتفق عليهـا معظــم أعلام الـمـسـلـمـيــــن ..

لا يقبل بعدهـا رأي مُختـلـفٍ ، ولا دراســة باحــثٍ ، ولا قول حاقدٍ من الحــاقـديــن ..

وإلا لتركنا كل ماترك لنل أسلافنا ، من جمع أحاديث وشورح عقيدة وكنوز من المفكرين ..

وهم الأقرب فهماً وإدراكاً وقناعـةً ، بل وحتى زماناً من سنّة أكـرم النـاس أجمعيــن ..

أفنترك التفسير والفقه والتوحيد وغيرهم ، لأناس كرهوا حتى دراستها ، إنني والله من المتعجبين ..

وهناك أمور آثر الله السكوت عن تبيان حكمها ، فتكون تلك مدعاة لاجتهاد المجتهدين ..

فهل نعيب عليهم اجتهادهم ، لأنهم كفونا البحث والتمحيص واظهار الحق ، ونكون عليهم منكرين ..

وأما التسميات التي أطلقتموها علينا ، لتغشية عيون الناس عن رؤية مادون خصامكم المبين ..

فطالبان هم أشراف قوم ، دفعوا عن بلادهم عدواً ، لم يكن عليه أحد من القادرين ..

لكنهم وقعوا في الغلو خسارةً ، فواجبنا نحوهم هو التبيـان والنصح ، وليس الإعراض المستديم ..

ومحمد بن عبدالوهاب هو شيخ زمان ، جمع الله على يديه قلوب أناس كانوا في الدين من المبتدعين ..

ناصره في ذلك صقر جزيرةٍ ، أقام الله على يديه دولةً ، جعلت كتاب الله هو الحاكم في أمور الدنيا والدين ..

وأما سلفُ أُمّةِ محمدٍ ، فهم أعلام ورجال تشرفوا بحمل همّ السنة المطهرة من أصحاب الضلال والمحدثين ..

والجامّي شيخ فضيل ، عاصر أئمةً في عصره ، حارب البــدع والضلالات ، ونحن له من المحبيــن ..

أمّا أن نترصّد لكل عالمٍ وشيخ وداعية ومفكر ، ونتصيّد أخطائهم وزلاتهم ، فهذا هو العدوان المبين ..

قال ثانيهم لأولهم : جاكم القرف ، مليتوا البلد ، أنتم وزمرتكم جميعاً في النار خالدين ..

تريدون جرّ العباد ورائكم ، إلى الرذائل والمنكرات ، وتريدون هدم الفضيلة والالتزام بالدين ..

ليبرالـييّن ، هوائــييّن ، علمانــييّن ، أوفٍ لكم ولأهوائكم ، فتياركم الفكري هزيل وسقيم ..

قلت له : رويـدك صاحبــي ، فـنـحــن ولله الحمــد والمـــنّــة ، جـمـيـعــاً مـسـلـمـيــــن ..

نهى كبار السلف والأئمة عن تكفير مسلم بكبيرةٍ من الكبائر ، فكيف نحكم على أحدهم أنه من الكافرين ..

قلت لتوّي أننا نؤمن بالاختلاف صراحةً ، ونحفظ للكل حق التساؤل والاستبيان ، ونحن بهذا مـجـتـمعين ..

أُمِرنَا بحسن جوار اليهودي والنصراني ، فكيف بأخيك وجارك من بني جلدتك ، أليس أحق بأن يكون من المكرمين ..

وكيف يستقيم حال أُمّـتـنا إذا أغـلقـنا باب النقاش والحوار بيــننا ، ونحن نعّد أنفسنا أِخوةً في الدين ..

نعم .. هناك حدودٌ في شرعنا ، نتفـاوض على أي شي دونـها ، ولكن مع العارفــيـن ..

لا نقدم هوى نفسنا ، ورغبات غيرنا ، على أمرٍ إذا كان فيه نصٌ واضحٌ ، فنصبح من المتشددين ..

لكـننا أيضاً لا نرى الخروج على جماعةٍ ، أمرنا رسولنا بالاعتصام بهم ، فنخرج عليهم ونكون من الضالين ..

حفظ أرواح المسلمين ودمائـهـم ، من أعظم ماجاء به ديــننا ، لايحتاج هذا حتى إلى تبــيين ..

كيف نُخرِج مسلماً عن دينه ، أكشفنا عن صدره ، وعلمنا الغيب ، وكنا من أولياء الله الصالحين ..

التسّرع في إطلاق الاتهامات مصيبةٌ ، تهوي بأصحابها ومعتقديها من أعين الناس إلى أسفل الأسفلين ..

كانت أخلاق نبينا عاليةٌ ، تقبّل النقد والجرح والطعن والاختلاف ، وكان هو لهؤلاء من الناصحين ..

أفلا نكون كمثله ، ونحن ندعو إلى إتبّاع السنة المطهّرة ، ورفع شعار التسامح والرحمة واللــين ..

هذه دعوة صادقة لأحبتي ، في شهر رمضان المبارك ، بنبذ الفرقة والاختلاف ، فكليهما سيّـئين ..

نريد أن نعيش بكرامةٍ ، متفقين جميعاً على مبادئ وأسس ، لا نقبل المساس بها ، وعلى دون ذلك مختلفــين ..

الاختلاف يزيدنا نضجاً وحكمةً ، ويرفع سقف التفاهم والتعايش بيننا ، لذلك نحن له من المؤيديــن ..

هاذي بلادي ، أحب أن أرى الجميع فيها متحابــين ، متصافــين ، متآخــين ، متقاربــين ..

اللهم احفــظ بــلاد الحرمين – موطني – وسائر بلاد العرب و المســلـمـيـــن ..

واجمع كلمتنا ، وصفِّ سريرتنا ، واجعلنا كما تحب ، كالبنيان المرصوص مصطّفـين ..

سبحان رب العزة عمّا يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمــين ..

الاثنين، 25 يوليو 2011

عصمة النبي المصطفى والصحيحين

لقد تكلّم عن عصمة النبي المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – أكثر من واحد من الأئمة المتقدمين والمتأخرين ، ولست في مقالي هذا باحثاً عن حقائق ليست موجودة ، ولا خائضاً في التافه من القول الشائع ، فلست بعالمٍ في الشريعة ، ولا في الفقه ، ولا في طعن الرجال وتجريحهم ... ولكنني ناقلٌ عن بعض الأئمةِ أقوالهم .. {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} الأنفال-42.

أولاً) عصمة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فيما يطيق من أقواله وأفعاله :

  • قال الإمام الذهبي – رحمه الله – في سير أعلام النبلاء :"وَالَّذِي لاَ رَيْبَ فِيْهِ أَنَّهُ كَانَ مَعْصُوْماً قَبْلَ الوَحْيِ وَبَعْدَهُ، وَقَبْلَ التَّشْرِيْعِ مِنَ الزِّنَى قَطْعاً، وَمِنَ الخِيَانَةِ، وَالغَدْرِ، وَالكَذِبِ، وَالسُّكْرِ، وَالسُّجُوْدِ لِوَثَنٍ، وَالاسْتِقْسَامِ بِالأَزْلاَمِ، وَمِنَ الرَّذَائِلِ، وَالسَّفَهِ، وَبَذَاءِ اللِّسَانِ، وَكَشْفِ العَوْرَةِ، فَلَمْ يَكُنْ يَطُوْفُ عُرْيَاناً، وَلاَ كَانَ يَقِفُ يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ قَوْمِهِ بِمُزْدَلِفَةَ، بَلْ كَانَ يَقِفُ بِعَرَفَةَ.وَبِكُلِّ حَالٍ، لَوْ بَدَا مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، لَمَا كَانَ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ، لأَنَّهُ كَانَ لاَ يَعْرِفُ، وَلَكِنَّ رُتْبَةَ الكَمَالِ تَأْبَى وُقُوْعَ ذَلِكَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْماً"
  • قال الإمام ابن القيم في صيد الفؤاد : وإذا كان الرسول كمجتهد قد كان يمارس الاجتهاد والشورى وإعمال العقل والفكر والاختيار بين البدائل فى مناطق وميادين الاجتهاد التى لم ينزل فيها وحى إلهى.. فإنه معصوم فى مناطق وميادين التبليغ عن الله - سبحانه وتعالى - لأنه لو جاز عليه الخطأ أو السهو أو مجانبة الحق والصواب أو اختيار غير الأولى فى مناطق وميادين التبليغ عن الله لتطرق الشك إلى صلب الرسالة والوحى والبلاغ"

ثانياً) عصمة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فيما لا يطيق من أقواله وأفعاله :

  • عاتب المولى – تبارك وتعالى – نبيه في يوم بدر على أخذ الأسرى دون مفاداتهم (كما أراد عمر بن الخطّاب رضي الله عنه) كما رواه القرطبي في تفسيره وابن الجوزي والغزالي وغيرهم الكثير ... (سورة الأنفال – الآية 25)
  • عاتب المولى – تبارك وتعالى – نبيه في في عبد الله بن أم مكتوم – رضي الله عنه – حين جاء يسأله في شيء من القرآن حيث أعرض الرسول عنه لانشغاله بدعوة رجل من عظماء المشركين كما رواه الترمذي في الجامع ومالك في الموطأ . (سبب نزول سورة عبس)
  • عاتب المولى – تبارك وتعالى – نبيه في زينب بنت جحش وزيد بن حارثة – رضي الله عنهما – كما في سورة الأحزاب آية 37 .

ثالثاً) عصمة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فيما يبلّغه من الوحي :

  • روي عن العلاّمة ابن باز أنه قال " قد أجمع المسلمون قاطبة على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام – ولاسيما محمد – صلى الله عليه وسلم – معصومون من الخطأ فيما يبلغونه عن الله عز وجل" فتاوى ابن باز (الجزء السادس)
  • قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في مجموع الفتاوى " فان الآيات الدالة على نبوة الأنبياء دلت على أنهم معصومون فيما يخبرون به عن الله عز وجل فلا يكون خبرهم إلا حقاً وهذا معنى النبوة وهو يتضمن أن الله ينبئه بالغيب وأنه ينبئ الناس بالغيب والرسول مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه "
  • والناظر إلى الأمر يجد أن تبيلغ الرسالة والوحي – بتكليف المولى تبارك وتعالى – يقتضي أن يكون المُبَلِّغ (بتشديد اللام وكسرها) وهو المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – أهل لهذا التبليغ ، فوجب أن تكون أخلاقه الظاهرة والباطنة ،، والتي يتم الاقتداء بها والأخذ بها على سبيل التشريع معصومة من الخطأ والزلل ، وإلا فكيف يأمر بأمر ويخالف ذلك ،، حاشاه – صلى الله عليه وآله وسلم – ..

وأما خلاف ذلك من أصل خلق الإنسان من التفكير والإجتهاد فيما دون التبليغ بالوحي ،، فالنبي – صلى الله عليه وآله وسلم – معرّض كما غيره من البشر ،، يقول الحق تبارك وتعالى في سورة الإسراء {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولً} الآية 93

وهذا لا يتعارض مع ماذكر في اجتهاده وتفكيره – إلا لمن كان قد وافق هواه اختلاف المراد – لأن الله – تبارك وتعالى – قد عصم نبيه المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – من قبائح الذنوب والزلل ، والمستنكرات من القول والفعل ... كيف وقد قال الحق – تبارك وتعالى – في مدحه – صلى الله عليه وآله وسلم – {وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ} سورة القلم – الآية 4 . وقالت عنه عائشة رضي الله عنها (كان خلقه القرآن) رواه مسلم ...

وقد كثرت مؤخراً الأقاويل الطاعنة في صحة الأحاديث واتصال السند في الصحيحين ،، والتي وثب لها بعض الناس وثوباً ،، وكأنما كان في قلوبهم مرضٌ قديم ٌ ،، وحقدٌ دفين ٌعلى أعلام السنة ، ورواة الحديث ، وشيوخ المسلمين ... فيخرج أحدهم يكذب الشيخ مسلم النيسابوري ويقذفه بالتدليس ويخرج ثانٍ يقول أن 80 بالمائة من أحاديث البخاري ضعيفة الإسناد ،، فحتى إذا ما سمعنا لهذا وذاك ،، جاء الأخير ليخبرنا أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أخطأ بفعل كذا وكذا ...

الله أكبر ،،، هل سمعتم هذا من الوحي ،،، هل تكلمتم مع جبريل قبل اليوم ،،، هل سهرت أعينكم في قراءة الحديث ،، هل شابت رؤؤسكم في تعلّم الفقه النبوي والسنة المطهّرة ،،، أم ألهمكم الله هذا إلهاماً ...

أنه – والله – من القبح والاستخفاف بعقول الناس ،، أن يقوم أحدهم بالطعن والتجريح والأخذ والرد ،، وهو لا يكاد يذكر أركان الصلاة الأربعة عشر ... لأن بيان مسألة العصمة في حق النبي محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – وغيره من الأنبياء قد تم بحثها وتأصيلها وبياناها مراراً وتكراراً ،، لكن بعض ضعاف المفكرين – الناسخون اللاصقون الذين يهرفون بما لا يعلمون – ترك هذا كله وتشبثّ بما يعيه عقله الناقص دون النظر إلى كامل المسألة واحتج فقط بمسألة ضعف الحديث ...

وإنه – والله – من عمى البصر قبل البصيرة أن يستبشرون بحديثِ واحدٍ اخُتُلِف في صحته ويتناسون قرابة 5 آلاف حديثٍ صحيحٍ ،، حفيت أقدام البخاري ومسلم في جمعها ...

بل وأعظم الشبهات أن تنشرح صدورنا حين نعلم أن هناك بحثاً من أحد علماء الشريعة والحديث قد دلّ على ضعف أحد الأحاديث في الصحيحين ،، فنغرّد ونستبشر ،، لأننا وجدنا أخيراً مخرجاً من تلك الكتب المليئة بالرجعية والتخلّف ... يقول أحدهم: هل تصدّق كلاماً قيل قبل 14 قرناً ، استيقظ يارجل نحن في القرن العشرين !!!

وأقول ،، لنِعَال الشيخ البخاري أو مسلم ،، أعظم عندي من بعض التافهين وأفكارهم .. ونعوذ بالله من الخذلان ...